ابن الجوزي
35
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وأبو الحارث لا يؤثر مقامك في هذا البلد ، وأنا أنقلك إلى الحديثة ، وأسلمك إلى مهارش ابن عمي ، وفيه دين ، فلا تخف ، واسكن إلى مراعاتي لك وعد إلى مكانك . فلما يئس منه قام عنه وهو يقول : للَّه أمر هو بالغه ، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم . وعبر قريش ليلة الأربعاء / التاسع من ذي الحجة إلى الجانب الغربي ، وضرب 19 / أخيمة بقرب جامع المنصور ، وحمل الخليفة إلى المشهد بمقابر قريش ، وقال له : تبيت الليلة فيها . فامتنع وقال : هؤلاء العلويون الذين بها يعادوني . فألزم الدخول وبات ليلته في بعض الترب ، وحضر من الغد جماعة من أصحاب البساسيري وأصحاب قريش ، فتسلموه من موضعه ، وأقعدوه في هودج على جمل ، وسيروه إلى الأنبار ، ثم إلى حديثة عانة على الفرات ، وكان صاحب الحديثة مهارش البدوي حسن الطريقة ، فكان يتولى خدمة الخليفة ، ولما بلغ الخليفة الأنبار شكا وصول البرد إلى جسمه ، فأخرج شيخ من مشايخ الأنبار يعرف : بابن مهدويه جبة برد ، فيها قطن ومقيارا ولحافا ، وكتب الخليفة من هناك رقعة إلى بغداد يلطف فيها بالبساسيري وقريش ، يدعوهما إلى إعادته إلى بغداد ، وإحسان العشرة ، ويحلف بالأيمان المؤكدة على براءة ساحته من جميع ما نسب إليه ، فلم يقع الالتفات إليها ولا أجيب عنها ، فأقام الخليفة بالحديثة . وذكر عبد الملك بن محمد الهمذاني عن بعض خواص القائم أنه قال : لما كنت بحديثة عانة قمت في بعض الليالي للصلاة ، ووجدت في قلبي حلاوة المناجاة ، فدعوت الله تعالى فيما سنح ، ثم قلت : اللَّهمّ أعدني إلى وطني ، واجمع بيني وبين أهلي وولدي ، ويسر اجتماعنا ، وأعد روض الأنس زاهرا ، وربع القرب عامرا ، فقد قل العزاء ، وبرح الخفاء ، فسمعت قائلا على شاطئ الفرات يقول [ بأعلى صوته ] [ 1 ] نعم نعم / فقلت : هذا رجل يخاطب آخر ، ثم أخذت في السؤال والابتهال ، فسمعت 19 / ب ذلك الصائح يقول : إلى الحول إلى الحول . فعلمت أنه هاتف أنطقه الله تعالى بما جرى الأمر عليه ، فكان خروجه من داره حولا كاملا خرج في ذي القعدة ورجع في ذي القعدة .
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل .